محمد أبو زهرة

3373

زهرة التفاسير

وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 72 ) . وعد اللّه تعالى أن يعد لهم جنات تجرى من تحتها الأنهار ، وكان الوعد هو ذات الجنات ، لا إعدادها ، وفي ذلك إشعار بأنها موجودة مهيأة قائمة ثابتة ، ليس أمامهم إلا أن يدخلوها ، ولذا لم يذكر دخولها ، بل ذكر وجودها ، وذكر سبحانه أن الأنهار تجرى من تحتها ، فقال سبحانه وتعالى : وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وجريان الأنهار يفيد ثلاثة أمور : أولها : أن ساكنها يتمتع بمنظر بهيج ، وثانيها : أنها تجعل جوها لطيفا ، لا قرّ ولا حرور ، وثالثها : أنها تمد جذور أشجارها بالماء الطيب الذي يجعلها وارفة الظلال لا يبس فيها ، بل لها غصون خضراء تجعل المتعة كاملة . وقال تعالى : وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ والمساكن الطيبة هي المساكن التي يستطيب نازلها الإقامة فيها ، وهي ممهدة تمهيدا طيبا للإقامة ، وقد روى أنها قصور من اللؤلؤ والياقوت الأحمر ، والزبرجد ، وروى أنها تكون لبنات من فضة وذهب ، ولا تعارض في أن تكون كذلك ، ولكن نقول إنها مساكن طيبة تطيب الإقامة فيها ، وتستريح النفس والقلب بالإقامة ، و عَدْنٍ قال الزمخشري فيها : إن جنات عدن التي وعد بها الرحمن ، ويدل عليه ما رواه أبو الدرداء رضى اللّه عنه عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « وعدن دار اللّه تعالى التي لم ترها عين ، ولم تخطر على قلب بشر ، لا يسكنها غير ثلاثة : النبيون والصديقون والشهداء ، يقول اللّه تعالى : طوبى لمن دخلك » « 1 » . وإن هذه الآية ، وهذه الآثار تدل على أن جنات عدن جزء من الجنة يكون فيها الأبرار ، والأطهار ، هذا كله جزاء مادي ، وهنا جزاء معنوي وهو رضوان اللّه تعالى ، فقد قال عزّ من قائل : وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ الرضوان هو الرضا

--> ( 1 ) جزء من حديث جاء في كنز العمال : تفسير سورة الإسراء - ج 1 ، ص 324 ، برقم ( 4485 ) .